خلق الله الإنسان على صورته كائنًا عاقلًا وسيّدًا حرًّا (تك 1: 26)، ويؤكّد يعقوب أخو الرّبّ بقاء هذا “الشّبه” الإلهيّ في الإنسان حتّى بعد السّقوط (يع 3: 9). ومن فيض نعمته، أبقى الله للإنسان “إرادةً حرّة” ليكون قادرًا على طلبه والعودة إليه. في هذه الأسطر القليلة نحاول استبيان موقف الكنيسة الأولى من “الإرادة الحرّة” Free Will علّنا نعي ما فهمته من المسيح باكرًا.
المسؤوليّة الأخلاقيّة والعدل الإلهيّ
أجمع آباء الكنيسة الأوائل على حريّة الإرادة الإنسانيّة وفاعليّتها؛ فبالرّغم من جرح الخطيئة، لم يفقد الإنسان قدرة الاختيار. أكّد القديس إيريناوس أنّ الله خلق الإنسان “سيّدًا على إرادته”، واضعاً فيه القدرة على الاختيار (ضد الهرطقات 4: 37)، ومشدّدًا على “أنّ الله لا يستعمل القوّة بل الإقناع” لاسترداد جبلته (ضد الهرطقات 5: 1).
هذه القدرة هي الّتي تجعل الإنسان مسؤولًا، إذ وضع الله أمامنا الحياة والموت داعيًا: “فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ” (تث 30: 19). وفي مواجهة الغنوسطيّين الّذين أنكروا الحريّة الإنسانيّة وعلّموا بالقدريّة، جزم يوستينوس الشّهيد: “لو لم يكن للجنس البشريّ القدرة على تجنّب الرّذيلة واختيار الفضيلة بحريّة، فإنّه لن يكون مسؤولًا عن أيّ فعل أيًّا كان نوعه” (الدفاع الأول 43).
التّآزر بين النّعمة والإرادة
فيما يخصّ نوال الخلاص، ساد إجماعٌ آبائيّ على أنّ المسيح أتمّ الفداء على الصّليب، لكنّ فاعليّة هذا العمل رهينةٌ باستجابة الإنسان. واتّخذوا من قول المسيح أنّه واقف على الباب ويقرع ومن أراد يفتح له فيدخل إليه، ركيزةً لإبراز هذه المسؤوليّة؛ فالله يقرع، وعلى الإنسان أن يفتح له (رؤ 3: 20).
لم يتردّد الآباء في تبنّي مفهوم “التّآزر” Synergism؛ إذ كان دافعهم رعويًّا وتبشيريًّا يهدف إلى تمكين الإنسان من نوال الخلاص فعليًّا. ومن هذا المنطلق، نقض إكليمندس الإسكندريّ الحتميّة الغنوسطيّة الّتي صنّفت البشر إلى فئات ثابتة (مُخلَّصين بالطّبيعة أو هالكين لا محالة)، وأعاد الاعتبار للإرادة الحرّة بقوله: “إنّ الله يخلّص النّفوس بموافقتها هي… لأنّ النّفس الّتي لا تشاء لا تُكرَه.” (الستروماتا 7: 2).
المونرجيّة وسياقها التّاريخيّ
إنّ مفهوم “المونرجيّة “Monergism القائل بأنّ الله هو العامل الوحيد في الخلاص بمعزلٍ عن تجاوب الإنسان، لم يكن معروفًا لدى الآباء الأوائل؛ بل تبلورت فكرته لاحقًا مع أوغسطينوس في القرن الخامس خلال صراعه مع البدعة البيلاجيّة. تلك البدعة الّتي نادت بما يُمكن تسميته”المونرجيّة الإنسانيّة”وعلّمت أنّ الإنسان يمتلك في طبيعته قدرةً كاملةً ومستقلّةً على اختيار الخير وفعل الصّلاح والوصول إلى القداسة، بدون حاجةٍ ضروريّةٍ لنعمةٍ إلهيّةٍ داخليّةٍ تُغيّر قلبه. (استُخدم مصطلح “المونرجيّة” لأول مرّة كتعبير لاهوتيّ في القرن السابع عشر من قبل اللاهوتيّين الكالفينيّين المدرسيّين).
في المقابل، وقف يوحنّا الذّهبيّ الفم في توازن دقيق بين “القدريّة” الّتي تُلغي الإرادة، و”الاعتماد الذّاتيّ” الّذي يُقصي النّعمة. فأوضح ببراعةٍ أنّ النّعمة تعمل مع الإرادة ولا تُلغيها بقوله: “الله لا يسبق إرادتنا لكي لا يفسد حرّيتنا، ولكن متى اخترناه، فإنّه يقدّم لنا عونًا جزيلًا” (العظة 12 إلى العبرانيّين).
الخلاصة: مسؤوليّة الإنسان عن مصيره الأبديّ
تؤكّد هذه الاقتباسات من آباء الكنيسة أنّهم لم يكونوا يومًا غنوسطيّين، بل رفضوا بوعيٍ وحزم “الحتميّة والقدريّة” الّتي علّمتها فلسفات غير مسيحيّة. وكانوا بتوافقٍ تامّ مع تعليم يسوع الّذي قدّس “الإرادة الحرّة” واعترف بسيادة الإنسان على قراره وهو ما ظهر جليًّا في عتابه لأورشليم الّتي رفضته: “كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ… وَلَمْ تُرِيدُوا!” (مت 23: 37). وهكذا، وبناءً على التّجاوب الطّوعيّ أو رفضه، يتحمّل كلّ إنسانٍ كامل المسؤوليّة الشّخصيّة عن مصيره الأبديّ.

