تعلّمت سرًّا، في بداية حياتي، أنّ الإنجاز لا يُولد من الحماسة، بل من المثابرة. فالحماسة، وإن كانت ضروريةً لانطلاق أيّ عمل، إلّا أنّها لا تكفي للوصول إلى النّهاية. فكثيرون يبدأون مشاريع وبرامج تحرّكها أحلام كبرى، لكنّهم يتوقّفون في الطّريق ولا يُكملون ما ابتدأوه بحماسةٍ كبيرة. وما يميّز الإنسان في حياته هو ما يحقّقه من إنجازات، لا ما يتركه من محاولات غير مكتملة.
الثّروة الّتي تُبنى لا التي تُمتلك
يستحضرني هنا قول الحكيم سليمان: “الرَّخَاوَةُ لاَ تَمْسِكُ صَيْدًا، أَمَّا ثَرْوَةُ الإِنْسَانِ الْكَرِيمَةُ فَهِيَ الاجْتِهَادُ”. وقد جاءت هذه الحكمة في صورةٍ مأخوذةٍ من عالم الصّيد، الّذي كان أحد أعمال الإنسان الّتي يعتمد عليها في تأمين قوت عائلته. فهناك من يتحمّس للخروج إلى الصّيد، لكنّه يفتقر إلى الجدّيّة والعزم اللذين يمكّنانه من إتمام مهمّته والعودة بصيدٍ وفيرٍ يسدّ عوزه. وفي صلب حكمته يؤكّد سليمان أنّ الثّروة لا تهبط على الإنسان، بل تُبنى بسعيه واجتهاده. وهو هنا يمتدح الإنسان النّشيط والمثابر والجادّ. فالثّروة، بالنّسبة إليه، ليست أوّلًا فيما نملك، بل فيما نصبح عليه؛ لأنّ الاجتهاد يصنع إنسانًا جديرًا بالثّقة، قادرًا على استثمار الفرص وتحويلها إلى ثمار.
وهذه الحكمة المأخوذة من عالم الصّيد لا تقتصر على الدّراسة أو العمل، بل تمتدّ إلى مختلف جوانب الحياة. فكم من موهبةٍ ذبلت لأنّها لم تجد من يستثمرها، وكم من مسؤوليّة ضاعت لأنّ أصحابها اكتفوا بالبدايات. فالرّخاوة لا تحرم الإنسان من الفرص فحسب، بل كثيرًا ما تحرمه من نتائجها.
قوّة الثّبات حتّى اكتمال المسيرة
ولا يقوم النّجاح على الانشغال الدّائم أو الذّكاء المفرط، بل على الجدّيّة الّتي ترفض أنصاف الأعمال، والعزيمة الّتي تواجه الصّعوبات ولا تستسلم أمامها. فالحياة لا تكافئ من يبدأ فقط، بل من يثبت حتّى النّهاية. وقد شبّه الرّسول بولس الحياة المسيحيّة بسباقٍ لا تُحسم نتيجته عند خطّ البداية، بل عند خطّ النّهاية، حيث ينال الرياضيّ الجائزة. أمّا يسوع، فقد أوضح أنّ السّعي نحو ملكوت الله يفترض أيضًا العزم وعدم التّراجع، فقال: “لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ اللهِ”.
إنّ زمننا يميل إلى النّتائج السّريعة. نريد الطّعام سريعًا، والنّجاح سريعًا، والتّرقّي سريعًا، حتّى أصبحت المثابرة والصّبر فضيلتين نادرتين. لقد اعتاد كثيرون انتظار الثّمار الفوريّة، بينما تُبنى الإنجازات الحقيقيّة بالمواظبة والصّبر والتّضحية للوصول إلى الغاية.
وبالعودة إلى الحكيم سليمان، نخلص إلى القول إنّ أعظم ما يكتسبه الإنسان في الحياة لا يُبنى بالحظّ أو الاندفاع المؤقّت، بل بالصّبر والاجتهاد. ومن يخسر هاتين الفضيلتين يخسر فرصة ًكبيرةً للنّموّ وتحقيق ما يطمح إليه. لذلك لم يبالغ الحكيم عندما جعل الاجتهاد ثروة الإنسان الحقيقيّة، لأنّها الّثروة الّتي تبني الإنسان قبل أن تبني ما يملكه؛ وهي ثروة لا تُقدَّر بثمن.

