هل تسمع الله؟ في عالمٍ تكثر فيه الأصوات والرسائل والأفكار، قد يبدو السّؤال غريبًا. النّاس يحبّون أن يعرفوا كّل جديد، وقلّما يفكّرون أنّ الله يتكلّم وأنّ عنده ما يقوله لهم. البعض يذهب وراء العرّافة لمعرفة الغيب. وهذا قديم قِدم الإنسان. كانوا يذهبون إلى اليونان لطلب عرّافة دلفي، الكاهنة بيثيا، الّتي كانت تدّعي أنّها تنقل إليهم رسائل من الإله أبولو. وغالبًا ما كانت هذه الرّسائل غامضة وغير واضحة، وتحاكي الغيب.
والبعض يظنّ أنّ النّجوم الصمّاء تتكلّم إليه عبر حركتها، فينتظر المنجّمين والعرّافين. والبعض يستحضر أرواح الموتى ليأخذ منهم كلمة. وهذا ما فعله الملك شاول عبر عرّافة عين دور، فانتهى به الأمر إلى خراب بيته.
الله ليس إلهًا صامتًا
النّاس لا يعرفون أنّ الله الخالق يتكلّم. قد يستغربون هذا الكلام. لكنّ الكتاب المقدّس يعلن أنّ الله ليس إلهًا صامتًا. يقول كاتب الرّسالة إلى العبرانيين: “اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُق كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ”. نعم، الله يتكلّم بطرقٍ عديدةٍ وفي مناسباتٍ عديدة. فقد أعطى كلمته للأنبياء قديمًا، ونقلوها إلى النّاس في رسائل صارت هي الأسفار المقدّسة. وهو يتكلّم أيضًا عبر الآخرين وحوادث الحياة، وعبر الرّوح القدس للضّمير البشريّ.
لكنّ الإعلان الأوضح كان في ابنه المسيح، ففيه بلغ الإعلان الإلهيّ ذروته وكماله. وهكذا ظهر قصد الله الخلاصّي في شخص يسوع وحياته وتعليمه وعمله وفدائه. وما دُوّن عنه في العهد الجديد هو الإعلان الأثبت والأهمّ لنا.
كيف نسمع الله؟
المسألة ليست في ما إذا كان الله يتكلّم، بل في ما إذا كان الّناس يريدون أن يسمعوه أو يسمعونه فعلًا. الله يتكلّم للجميع، لشعبه ولغير المؤمنين. “اِسْمَعْ يَا شَعْبِي فَأَتَكَلَّمَ… وَلِلشِّرِّيرِ قَالَ اللهُ”. أمّا البشر فيديرون الأذن الصمّاء له فلا يسمعون. ولقساوة قلوبهم، إن سمعوا لا يفهمون. أمّا الله فلا يكفّ عن التّوجّه إليهم، بل يرفع صوته ليسمعوه: “يَا أَرْضُ، يَا أَرْضُ، يَا أَرْضُ اسْمَعِي كَلِمَةَ الرَّبِّ!“
تأتي ساعةٌ يجد الإنسان نفسه فيها قد تعب من اتّباع أصوات التّشويش في العالم، فيطلب سماع صوت الله. وعندئذٍ تكون ساعة خلاصه. قال يسوع: “اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ، بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ”.
ويبقى السّؤال قويًّا: هل تسمع صوت الله؟ إن تأسّف الإنسان على أيّامٍ ضاعت وهو لم يسمعه، يمكنه أن يعوّض ما فات باحترام المتكلّم السّماويّ والإصغاء إليه. لا تُهمِل سماعه. يحذّرنا النصّ الإلهيّ من ذلك: “اُنْظُرُوا أَنْ لاَ تَسْتَعْفُوا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ أُولئِكَ لَمْ يَنْجُوا إِذِ اسْتَعْفَوْا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الأَرْضِ، فَبِالأَوْلَى جِدًّا لاَ نَنْجُو نَحْنُ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ!”.

