يُرجّح أنّ إيريناوس وُلِدَ في سميرنا (إزمير) واسمه يعني “المُسالم”. يُقال أنّه، وإن كنّا لا نعرف الكثير عن حياته إلّا أنّ كتاباته تكشف لنا عن شخصيّته وعن الفكر الإنجيليّ الرّسوليّ الّذي حمله، يُحسَب أحد رجال الكنيسة العظماء في القرن الثّاني وهو وضع أساس علم اللاهوت المسيحيّ وتفسير الكتاب المقدّس. كما أبرز بوضوحٍ ودقّةٍ مفهوم الكنيسة اللاهوتي لذا دُعي “أب اللاهوت المسيحيّ”.
كان إيريناوس مُحبًّا للتعلّم وتتلمذ على يَدَي القديس بوليكاربوس الّذي أحبّه جدًّا وأخذه معه إلى روما وبقيَ معه حتّى لحظات استشهاده. ومن هناك ذهب إلى ليون (بفرنسا) ليقوم بعملٍ إنجيليّ كرازي.
وجد القديس فوتينوس أوباثينوس أسقف ليون، الشّرقيّ الأصل، الّذي كان يبلغ التّسعين من عمره، في هذا الشّاب غيرةً متّقدةً للكرازة، خاصّةً بين الوثنيّين، فسامه قسًّا. كلّف رؤساء كنيسة ليون القدّيس إيرينايوس بالتّوجّه إلى الأسقف إلوتاريوس بروما، من أجل مشكلة المونتانيّين الّذين يدّعون النبوّة، لمصالحتهم مع الكنيسة، لكن ليس على حساب العقيدة أو الحقّ.
في ذلك الحين اشتدّت موجة الاضطّهاد في ليون عام 177م، وقُبِضَ على الكثير من المسيحيّين هناك، واستشهد أكثر من 40 شخصًا. فأسرع إيرينايوس بالعودة إلى ليون ليشدّد الأيادي ويسند الكلّ وسط الضّيق. فسيم أسقفًا على ليون وفينا وبعض الأبرشيّات الصّغيرة في جنوب بلاد الغال.
كان القدّيس إيرينايوس قد درس اليونانيّة والشّعر والفلسفة، لكنّه كان يتحدّث مع شعبه باللسان السِلتي، حتّى يشعروا أنّه واحدٌ منهم، وليس غريبًا عنهم.
كان محبًّا للكنيسة الجامعة بكلّ قلبه، فعندما سمع أنّ فيكتور، أسقف روما، قطع العلاقة بين روما وآسيا الصّغرى بسبب خلافٍ حول عيد القيامة، بعث رسالةً إليه، بأسلوبٍ لائقٍ، يطالبه ألّا يأخذ هذا الموقف العنيف وأن يُعيد العلاقات من جديد.
من جهة إيمانه بالكتاب المقدّس فقد أظهر غيرةً صادقةً على الحفاظ على الإيمان المستقيم، مقاومًا الهرطقات خاصّةً الغنوسيّة والمونتانيّة. لكنّه آثر في المقاومة ألّا يبغي الجدل في ذاته، بل كان يركّز على إبراز أركان التّعليم الرّسوليّ في شتّى القضايا الّتي أثارها الهراطقة، فكان جدله إيجابيًا بنّاءً. كان مجاهدًا لا في مقاومة الهرطقات فحسب، وإنّما بالأحرى في ردّ الهراطقة إلى حضن الكنيسة. لذا كان يتحدّث بحكمة بناءّة، في أسلوبٍ هادئٍ وتسلسل مقنع بروح المحبّة غير المتعصّبة ولا الجارحة.
للأسف فُقِدت أغلب كتاباته، لكن عُثر على التّرجمة اللاتينيّة لخمسة كُتُبٍ له باسم “ضدّ الهرطقات”، كما عُثر أخيرًا على ترجمة أرمنيّة لكتابه “برهان الكرازة الرّسوليّة”. وُجِدَ في هذين العملين عناصر النّظام اللاهوتيّ المسيحيّ الكامل.

