الكذب المَرضيّ، أو ما يُعرَف بهَوَس الكذب، Mythomanie، هو اضطّراب نفسيّ يتمثّل في سلوكٍ قهريّ متكرّر، حيث يجد الشّخص نفسه يختلق الأكاذيب بشكلٍ مستمرٍّ بدون سببٍ واضحٍ أو منفعةٍ مباشرة. مع الوقت، يتحوّل هذا الكذب إلى جزءٍ من شخصيّة الفَرد، فيَروي قصصًا مليئةً بالتّفاصيل الدّقيقة والمقنعة تجعل اكتشاف زيفها أمرًا صعبًا.
قصة “كريم” مثالٌ حيٌّ على ذلك، فقد عُرِف بين جيرانه ومعارفه كرَجلِ أعمالٍ ناجحٍ كثير السّفر، يتحدّث باستمرارٍ عن صفقاته بملايين الدّولارات واجتماعات مع شخصيّاتٍ بارزة. كان الجميع يُنصت إلى حكاياته بانبهار، حتّى اكتشفوا في النّهاية أنّه ليس أكثر من موظّفٍ عاديّ في شركةٍ صغيرة، وأن كلّ ما رواه لم يكن سوى أوهام نسجها من خياله. لم يكن هدف “كريم” التهرّب من مأزق أو الحصول على منفعة، بل كان يُعاني من حالة يُطلق عليها “الكذب المرضيّ”. وهي حالة تدفع صاحبها إلى اختلاق الوقائع بشكلٍ تلقائيٍّ وبدون وعيٍ واضح.
هذا النّوع من الكذب يختلف عن الكذب العابر الّذي يلجأ إليه البعض لتجنّب مشكلةٍ أو كسب مصلحة. إذ يتّسم بطابعٍ قهريّ يجعل صاحبه غير قادرٍ على التوقّف. وغالبًا ما يُبدِع المصاب في ابتكار قصصٍ محتملة الحدوث، حتّى يختلط عليه هو نفسه ما هو حقيقيّ وما هو مُختلق. ومن هنا، يصبح الكذب جزءًا من إدراكه لذاته، ووسيلةً يعيش من خلالها صورةً بديلةً عن واقعه.
أمّا عن الأسباب، فهي متعدّدة ومتنوّعة. فقد تنبع من دوافع نفسيّة وعاطفيّة مثل الشّعور بالنّقص أو الخوف من الرّفض، أو الرّغبة في الهروب من واقع مؤلم. وقد تكون مرتبطة باضطّرابات في الشّخصيّة، مثل اضطّراب الشّخصيّة الحديّة، أو النّرجسيّة، أو المضادّة للمجتمع. كما أنّ للبيئة أثرًا كبيرًا خاصًة إذا كانت قائمة على الخوف وانعدام الأمان. إذ تدفع الفَرد إلى اعتماد الكذب كوسيلةٍ دفاعيّةٍ سرعان ما تتحوّل إلى نمطٍ متجذّرٍ يصعب التخلّص منه.
وللكذب المرضيّ تأثيراتٌ سلبيّةٌ عميقةٌ على الفَرد وعلاقاته. فالمصاب يفقد صورته الذّاتيّة تدريجيًّا ويعيش في حالة من التّشويش بين الحقيقة والوهم. ومع انكشاف أكاذيبه أمام الآخرين، يفقد مصداقيّته ويخسر ثقتهم. مما يقوده إلى عزلةٍ وانسحابٍ إجتماعيّ. ومع مرور الوقت، تتضرّر شبكة علاقاته وتضعف مكانته الإجتماعيّة، فيجد نفسه محاصرًا داخل دائرة من الوهم والعزلة.
أمّا العلاج، فيتطلّب التزامًا طويل الأمد، لكنّه ممكن. ويُعدّ العلاج السّلوكيّ المعرفيّ من أبرز الوسائل الفعّالة. إذ يُساعد في تعديل أنماط التّفكير والسّلوك غير السويّ. كما يسهم العلاج النّفسيّ التّحليليّ في كشف جذور المشكلة المرتبطة غالبًا بصدمات الطّفولة مثل الإهمال، غياب التّقدير أو الشّعور بالنّقص. ولا يمكن إغفال دور الدّعم الإجتماعيّ والأُسريّ في مساعدة المصاب على التّخلّص من هذه الحالة، إذ يوفّر له الأمان والثّقة الضّروريّة للشّفاء.
الكذب المَرضيّ قد يسلب الإنسان حرّيته في عيش الحقيقة، لكنّ الصّدق مع الذّات وطلب المساعدة يشكّل الخطوة الأولى نحو استعادة الثّقة بالنّفس وبناء حياة أكثر إتزانًا وواقعيّة. وكما يقول الكتاب المقدّس: “وَتَعْرِفونَ الحَقَّ، والحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ” (يو8: 32). فالصّدق ليس مجرّد التزامٍ أخلاقيّ، بل هو أيضًا طريقٌ للتحرّر الدّاخليّ ووسيلةٌ للشّفاء النّفسيّ والرّوحيّ.

