إنّ التّحدّيات الّتي تواجه المجتمع المدنيّ هي ذاتها الّتي تواجه مجتمع الكنيسة أيضًا. يشهر إبليس، عدوّ النّفوس، سهامه الملتَهِبَة في وجه الأفراد ليُخسّرهم قداستهم وأخلاقهم الشّخصيّة، ويُحوّلهم إلى أدوات في يده يستخدمها لضرب المجتمع البشريّ. وتأتي العائلة، كخليّة أساسيّة للمجتمع، على رأس قائمة الّذين يستَهدفهم إبليس، فيعمل على زرع النّفور وعدم التّفاهم والعنف المنْزِليّ والخيانات بين الأزواج. وهكذا، يكون انهيار العائلة انهيار الرّكن الأساسيّ في المجتمع. لذلك، يُخصِّص الوحي المقدّس تعليمًا مُطوّلًا حول العلاقات الزّوجيّة، بهدف صون الحياة العائليّة، وبالتّالي الخليّة الأساسيّة للمجتمع (1 كو 5-7).
ويعمل إبليس أيضًا على زرع الخصومات بين الأفراد والمجموعات في المجتمع. فيُحرّك شهوات الطّمع والحسد والمنافسة والامتلاك والتّسلّط والغرائز الجنسيّة، فتُرتَكَب الخطايا، من قلّة أمانةٍ وكذب وسرقة وكراهية وبغض وقتل وحروب، وتُدَمَّر العلاقات بين الأقرباء والأصدقاء وزملاء العمل وأعضاء الكنائس (يع 4: 1- 3). وعندما تفشل محاولات المصالحة بين النّاس بالمحبّة، يأتي دور المحاكم في حلّ هذه الخلافات. لكنّ أعضاء الكنيسة مدعوّون إلى حلّ خلافاتهم داخليًّا بتواضع ومحبّة وحكمة وعدل ورحمة (1 كو 6: 4).
كذلك، يُواجه المجتمعان، المدنيّ والمقدّس، تحدّيات التّمييز على أساس العمر والجنس والعِرق والطّبقة، وعلى المستوى الماليّ والعلميّ والمهنيّ. لكن، وبفضل النّعمة العامّة، هناك دائماً من يُناهض هذا التّمييز وما ينتج منه من ظلم ومآسٍ. أمّا مجتمع الكنيسة، فعنده دعوة خاصّة إلى التّغلّب على كلّ الفوارق وإلى خَلْق مجتمعٍ روحيٍّ مُنسَجِمٍ يعيش الفضائل السّامية (1 كو 1: 10-31؛ 3: 1-23).
وتُعاني المجتمعات المدنيّة أيضًا من الصّراعات السّياسيّة والتّحزّبات وما ينشأ عنها من غرق في لعبة القوّة والسّلطة. وكذلك تُعاني الكنائس، كمجتمعات بشريّة، من المشاكل نفسها الّتي يمُكن أن تقتل الحياة الرّوحيّة وتُنهي دورها المُميّز في الأرض. لذلك، على الكنائس أن تتذكّر أنّ الله دعاها إلى أن تكون جماعة خاصّة له، فتخرج من لعبة السّياسة الّتي تضرب المجتمع المدنيّ. والكلمة “كنيسة” (ekklesia)تعني “الجماعة الخارجة خارج المدينة” لتعبد الله، وتشهد للمسيح، وتحيا بحسب إنجيله. وفي كلّ الأحوال، تبقى الكنيسة المجتمع الفريد وصاحب الدّور المُميّز بين كلّ مجتمعات الأرض، إذ فيها وحدها قد أُعطيَ “إظهار الرّوحِ” (1كو 12: 7).

