نحن نعيش في مجتمع بشريّ يسوده الكذب والتّكاذب والأخبار الكذّابة Fake News. ولطالما سألت ما هو الكذب؟ وجدت في أحد المعاجم أنّ الكذب هو إخبار عن شيء بخلاف حقيقته مع العلم به. إنّه فعل إخفاءٍ للحقيقة بقصدٍ أو بغير قصد.
وسألت لماذا يكذب النّاس؟ ولماذا يُصدّقون الكذب؟ وكيف ينتشر؟ وحاولت أن أناقش مسألةَ ما إن كان المؤمنون الحقيقيّون بالله “الصّادق الأمين الّذي لا يكذب وليس فيه ظلّ دوران” يقعون في الكذب أو لا؟ نحن نعيش في مجتمعٍ يؤمن أنّ “الكذب ملح الرّجال”. كيف نتخلّص من هذه المقولة الّتي يكاد يُظنّ أنّها حكمةٌ صحيحة. أمّا بالنّسبة إليّ فالصّدق هو ملح الأبرار الأحرار الّذين يعرفون الحقّ الّذي يُحرّرهم من كلّ كذبٍ ووَهْم. سأحاول من خلال مناقشة ثلاثة أسئلةٍ أساسيّةٍ حول الكذب أن أناقش الموضوع علّنا نتحرّر منه.
لماذا نكذب؟
يكذب النّاس لأسباب متعدّدة، منها تجنّب العقاب أو الإحراج، والحصول على منفعةٍ شخصيّة، وحماية مشاعر الآخرين، أو حتّى للحفاظ على صورة اجتماعيّة معيّنة. ويكذب البعض لتجنّب الاعتراف بأخطائه. ويستخدم آخرون الكذب كوسيلة للسّيطرة. الكذب يبدأ في سنٍّ مبكّرة، وقد يكون دافعه الخوف، الطّمع، أو الرّغبة في الظّهور الاجتماعيّ. وينبع الكذب من قلب الإنسان كما يقول يسوع: “فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْب يَتَكَلَّمُ الْفَمُ.” (متى 12: 34).
وإن كان الكذب يبدأ “بمسحة من الخوف” كما قال الفيلسوف الرّومانيّ لوكيوس سينيكا، إلّا أنّه مع التّمرّس يصبح سهلًا “كشربة مياه”. وهكذا يصير الإنسان كذّابًا محترفًا يكذب ويُصدّق كذبته ويجعل النّاس يُصدّقونه.
لماذا نُصدّق الكذب؟
كم تألّمت في حياتي عندما اكتشفت أنّي صدّقت كذبةً أو بالأحرى عندما اكتشفت أنّ كاذبًا تمكّن من جعلي أصدّق كذبه. وإذ أنّ “حبل الكذب قصير”، حتمًا سنصل يومًا ونكتشف فيه الحقيقة ونعرف لماذا يكذب الكذّاب. لكن تبقى الصّعوبة في فهم الّذي يُصدّق الكذب؟ ونتساءل: لماذا النّاس، أذكياء كانوا أو بسطاء، يُصدّقون الكذب؟ واضحٌ أنّ الإنسان يُصدّق من يثِق به، أو من يحبّه أو من يحترمه فلا يتحقّق في صحّة ما يسمعه منه. وغالبًا ما نصدّق المعلومات الّتي توافقنا وتدعم وجهة نظرنا، وهذا ما يُدعى بالتحيّز التّأكيديّ Confirmation Bias. وقد يكون أنّنا نُخدَع بسبب مهارة بعض الكذّابين الّذين يصيغون كذبهم بطريقة منطقيّة. حتّى في النّواحي الدينيّة، وبسبب الأوهام الدينيّة، يُصدّق النّاس الأنبياء الكذبة أو المعلّمين الكذبة، الذين “يخدعونهم بأقوال مصطنعة أو مزيّفة” كما يقول بطرس الرّسول (2بط 2: 1).
وفي كلّ الأحوال لا يمكن لأحد أن يخدعنا إلّا بسبب استعدادنا الدّاخليّ للتّصديق أو بسبب روح الجهل الّذي يسوقنا بسبب كثرة مؤيّدي كذبة ما. هذا الجهل ليس مجرّد نقصٍ في المعرفة، بل هي حالةٌ نفسيّةٌ ترفض الحقيقة. ناقش الّلاهوتيّ الألمانيّ ديتريش بونهوفر في رسالته حول “نظريّة الحماقة” أنّ الحماقة ليست عيبًا فكريًّا، بل هي نتاج ظروفٍ اجتماعيّةٍ وسياسيّةٍ معيّنةٍ تجعل الإنسان يرفض الحقائق ويصبح غير قادرٍ على التّمييز بين الخير والشرّ. وبهذا، لا يعود الشّخص ضحيّة الكذب فقط، بل يصير شريكًا في ترويجه بسبب عجزه عن التّفكير النّقديّ الموضوعيّ لاستبيان الحقيقة.
أوضح الكاتب الإنجليزي جورج أورويل في نقده للأنظمة الشّموليّة وقال أنّها تستخدم اللغة والمفردات كأداة رئيسيّة للكذب. فهي تُغيّر معاني الكلمات لتناسب أيديولوجيّاتها، وتستخدمها بكثافة حتّى تجعل التّفكير المستقلّ وتمييز الحقيقة أمرًا مستحيلًا على النّاس. وأنا أرى كذلك أنّ أصحاب الفلسفات الدينيّة الزّائفة يستخدمون المفردات اللاهوتيّة الّتي تخدمهم بشكلٍ مكثّفٍ لغسل الأدمغة وجعل النّاس يصدّقون ما يروّجون له بدون فحصٍ أو تدقيق، الأمر الّذي يزيد من صعوبة التّمييز بين الحقّ والباطل. وهكذا يُصدّق البسطاء كذبهم ويتناقلونه كحقٍّ إلهيّ مُحقَّق.
لماذا ننقل الكذب؟
يتناقل النّاس الكذب، سواء بقصدٍ أو بغير قصد، لأسبابٍ مختلفة. فهم قد يُصدّقون أنّه حقٌّ وعليهم نشره بين النّاس لإثارة الانتباه أو لتأكيد وجهة نظرهم. أمّا إن عرفوا أنّ ما يتناقلونه هو كذبٌ فهذا يكون لتحقيق مآرب خاصّة تمنعهم الحقيقة من أن يصلوا إليها. وهذا يحصل في الإطار الدّينيّ أيضًا. حيث يتناقل النّاس أمورًا لم تحدث أو معلومات خاطئة لتعزيز صورة روحيّة مزيفة أو عقيدة مُبتدَعة. وفي الكثير من الحالات، يُستخدَم نقل الكذب كأداة لإشعال الفتن وإحداث الضّرر بين النّاس أو لتشويه سمعة الخصوم، أو حتّى كجزءٍ من عمل بعض الأفراد في السّياسة والتّجارة. يصف الكتاب المقدّس الّلسان الكاذب بأنّه أداة خطيرة ومُدمّرة. يقول يعقوب: “أَمَّا اللِّسَانُ، فَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُذَلِّلَهُ. هُوَ شَرٌّ لاَ يُضْبَطُ، مَمْلُوءٌ سُمًّا مُمِيتًا.” (يع 3: 8).
ويوضح القدّيس أوغسطينوس أنّ الكذب ليس مُجرّد خطأ عابر بل هو “فعل مقصود” ينتج عن “نيّة الخداع” بهدف تضليل الآخرين وإحداث ضررٍ حقيقيٍّ. هل يُدرِك الكاذب وناقل الكذب أنّه بفعله هذا يصير كذّابًا ابنًا “لإبليس الكذّاب وأبو الكذّاب” وشريكًا له في شرّه؟
كلفة الكذب العالية
للكذب كلفةٌ باهظةٌ على صاحبه وعلى ضحاياه وعلى المجتمع. فهو يُسبّب انعدام الثّقة بين النّاس ويُدمّر العلاقات بينهم، ويؤدّي إلى الضّرر والدّمار كفعل النّار في الهشيم. فالكذّابون لا يكتفون بإخفاء الحقيقة وتحويرها، بل ينشرون أضاليلهم للضّرر بالآخرين.
لم يتهاون يسوع مع خطيّة الكذب ونسبها لإبليس الّذي أوقع بأبوينا الأوّلَين بكذبه ومُذّاك اليوم وهو يُمارس هوايته المفضّلة لاقتناص النّاس في أشراكه. إلّا أنّه، وفي الأيّام الأخيرة، يزداد نشاط الأرواح الشرّيرة التّضليليّ. فالشّيطان لطالما ظهر كشبه ملاك نور ليَضلّل النّاس، سيزيد من نشاط خدّامه ليظهروا كخدّام للبرّ، لتضليل المؤمنين أيضًا. وهكذا سنرى عامّة النّاس وقادتهم وملوكهم، يسيرون خلف الوحش والنبيّ الكذّاب وكأنّ طلاسم سحريّةً وقعت عليهم وأغمتهم، فيُساقون إلى الذّبح كخراف، عاجزين عن التّمييز أو عن المقاومة.
هل يا ترى يملك النّاس البصيرة الكافية لتمييز الصّواب والخطأ في خضم هذا التضليل المتزايد؟ المؤمن الواعي مدعو ليُميّز بين الأمور المتخالفة فيتمسّك بالحّقّ ويرفض الباطل. ينصحنا يوحنا الحبيب: “أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ.” (1 يوحنا 4: 1). يُعطي الرّوح القدس موهبة التّمييز، وهذه أكثر ما نحتاج إليها في أيّامنا الحالية.
أمّا من وقع مرّة في الكذب، أو في تصديق الكذب، أو في نقل الكذب، عليه أن يطلب الغفران فيناله من الله الرّحوم. وعليه، بالمقابل، أن يُعاهد الله “الصّادق الأمين” أن يتمسّك بالحقّ بلا زيادةٍ أو نقصان، ويكون كلامه دومًا “نعم، نعم؛ ولا، لا” وبدون أيّ زودة من الشرّير لأيّ سبب كان. الوصيّة واضحة: “لاَ تَكْذِبُوا بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ” (كو 3: 9). الكذّابون سيبقون خارج الملكوت، “لأَنَّ خَارِجًا الْكِلاَبَ وَالسَّحَرَةَ وَالزُّنَاةَ وَالْقَتَلَةَ وَعَبَدَةَ الأَوْثَانِ، وَكُلَّ مَنْ يُحِبُّ وَيَصْنَعُ كَذِبًا.” (رو 22: 15).

