كثيرون يؤمنون بوجود الله، لكنّ قلةً تتوقّف لتتأمّل ما يعنيه أن يكون الله أبًا. فالأمر لا يتعلّق بمجرّد لقبٍ نستخدمه في الصّلاة، بل بحقيقةٍ تكشف طبيعة علاقتنا به ومكانتنا أمامه. فالكتاب المقدّس يقدّم الله أبًا خالقًا وراعيًا ومحبًّا، يدعو الإنسان إلى معرفته والثّقة به وإكرامه.
معرفة الآب
لقد كان إعلان أبوّة الله أحد الموضوعات الرئيسيّة في الكتاب المقدّس، وبلغ ذروته في تعليم يسوع المسيح الّذي جاء ليعرّف البشر إلى الآب ويقودهم إليه. لذلك لم يكن غريبًا أن يقول: “الَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ” (يو 14: 9). فمن خلال المسيح نتعرّف إلى قلب الآب، ونرى محبّته ورحمته وأمانته بصورةٍ واضحة.
يُعلن الكتاب المقدّس أنّ الله هو خالق البشر جميعًا ومصدر حياتهم، لكنّه يدعوهم أيضًا إلى علاقةٍ أعمق من مجرّد كونهم خليقته. فالبنوّة لله ليست مجرّد حقيقةٍ عامّة، بل امتياز يُعطى لمن يقبلون دعوته ويأتون إليه بالإيمان. لذلك يقول الإنجيل: “وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ” (يو 1: 12). إنّها دعوةٌ إلى علاقةٍ حيّة مع الآب، تقوم على النّعمة والمحبّة والثّقة.
العودة إلى الآب
ومع ذلك، كثيرًا ما ينسى الإنسان أباه السّماويّ. فمنذ القديم اشتكى الله من شعبه قائلاً: “فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَبًا، فَأَيْنَ كَرَامَتِي؟” (ملا 1: 6). فالمشكلة لم تكن في غياب الله، بل في أنّ الإنسان انشغل بعطايا الحياة أكثر من انشغاله بواهبها. لكنّ دعوة الآب تبقى مفتوحة، ورحمته تظلّ أوسع من ضلال الإنسان.
وتبقى قصّة الابن الضّال من أروع الصّور الّتي تكشف قلب الله. فالابن الّذي ابتعد وخسر الكثير عاد مثقلاً بالفشل، لكنّه وجد أبًا ينتظره ويستقبله بفرح. لم تكن عودته مجرّد تصحيحٍ لمسار حياته، بل استعادة للعلاقة الّتي فقدها. وهكذا يفعل الله مع كلّ من يرجع إليه.
إنّ معرفة الله كأب ليست فكرةً لاهوتيّةً مجرّدة، بل هو اختبارٌ يغيّر الحياة. فمن يعرف الآب، ويتعلّم أن يكرمه ويثق به، يكتشف مصدرًا دائمًا للرّجاء واليقين، ويجد في حضرته البيت الّذي لا يفقد دفأه ولا تُغلق أبوابه أبدًا.

