منذ فجر الوعي الإنسانيّ، سعى البشر لتجسيد إحساسهم بوجود قوّةٍ فائقةٍ أسمى منهم عبر الممارسات الدّينيّة والرّوحانيّة. هذا ما رآه عددٌ من الباحثين في الفلسفة وعلوم الدّين ومنهم الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسيّ إميل دوركايم الّذي بحث في نشأة الدّين كظاهرةٍ اجتماعيّة. هذه التّجارب الرّوحيّة المختلفة أوجدت أنظمةً عقائديّةً متنوّعةً تطوّرت لتصير أفعالًا عمليّةً مفيدةً تؤسّس سلوكًا ايجابيًّا في حياة الشّخص كما ذكر عالم النّفس الأميركيّ وليام جايمس.
أهداف الرّوحانيّة الإنسانيّة: حماية النّفس وتنظيم المجتمع
تؤدّي الملكة الروحيّة، أو القُدرة الدّاخليّة الموجِّهَة لسلوك الإنسان، دورين أساسيّين. الدّور الأوّل داخليٌّ يهدف إلى حماية النّفس البشريّة وجعلها تشعر بأنّ قوّةً روحيّةً علويّةً تقف إلى جانبه في مواجهة القلق الوجوديّ النّاتج عن الشّعور بهشاشة الحياة والموت. والدّور الثّاني سلوكيٌّ اجتماعيٌّ هدفه تنظيم المجتمع. ويتجلّى في تعليم الأخلاق الّتي تنظّم حياة الأفراد والمجتمعات وذلك كنتيجةٍ تلقائيّةٍ للعلاقة الوثيقة القائمة بين الرّوحانيّة الدّينيّة والحياة النّفسيّة والسّلوكيّة.
صراعٌ وعودة: علم النّفس والرّوحانيّة
مع ظهور علم النّفس المنظَّم في مطلع القرن العشرين، والقائم بمعظمه على الفلسفة الماديّة، اضطّربت العلاقة بين الّدين وعلم النّفس. فأهل الدّين وعدوا بتحقيق الصحّة النّفسيّة بعيدًا عن علم النّفس. وأهل علم النّفس، ومنهم فرويد، اعتبروا أنّ الدّين ليس سوى نوع من أنواع الاضطّراب النّفسيّ.
وعند اكتشاف الغرب للتّأمّل الشّرقيّ وفوائده في تخفيف القلق والتّوتّر عبر التّقليل من مستويات هرمون الكورتيزول، رأوا فيه ملاذًا يبتعدون عبره عن أضرار التّديّن المرتبطة بالتّاريخ المضطّرب وسط الجماعات الدّينيّة التقليديّة.
النّظرة المسيحيّة للشّفاء
أمّا المسيحية فقدّمت في كتابات آبائها عبر التّاريخ رؤًى عميقةً في علاقة الإنسان بالله. إلّا أنّ المؤسسة الدّينيّة الّتي انشغلت بالخلافات العقائديّة اللاهوتيّة والسّياسيّة أهملت الجانب الشّفائيّ النّفسيّ عند الأفراد. إلّا أنّ محاولات ابتدأت حثيثةً، ابتدأت منذ سبعينيّات القرن الماضي “لـمسحنة” علم النّفس لهدفٍ واحد، ألا وهو صالح الإنسان النّفسيّ. وإذ اعتبرت الكنيسة أنّ الخطيئة هي مرضٌ ناجمٌ عن الانفصال عن الله ويتطلّب شفاءً وتعافيًا لا يصير إلّا بالإيمان بالمسيح الّذي يولّد ضبطًا للنّفس، ثمّ صبرًا ورجاءً ومحبّةً وشفاءً داخليًّا.
منافع الحياة الروحيّة
وبالفعل عندما يتّصل الإنسان بخالقه، تبدأ رحلته إلى الشّفاء النّفسيّ الحقيقيّ والتّعافي الّذي يحتاج إليه. فهو ينقل تركيزه عن المشاكل الشّخصيّة الضيّقة إلى عالمٍ روحيّ أرحب. ويُفترض أن تبدأ نفسه المضطّربة بالهدوء لتواجه المشاكل المتنوّعة فيتمكّن من إيجاد الحلول لها. أمّا النّموّ الرّوحيّ فيُساعد الإنسان لاتّخاذ القرارات الصّحيحة الدّاعمة لتعافيه من أزمات ٍكانت تتحكّم به كالإقلاعٍ عن الإدمان والتغلّب على الكراهية واختبار الغفران.
وتلعب جماعات الدّعم الرّوحيّ والشّخصيّات الرّوحيّة النّاضجة دورًا كبيرًا في توفير شبكة أمانٍ اجتماعيّة مساندة. فيبدأ الإنسان يكتشف معنًى مختلفًا لوجوده، فيرى بشخصه صورةً تستحقّ الاحترام، فهو لم يعد “مشكلةً تمشي على قدمين” بل صار “إنسانًا عنده مشكلة” قادرًا أن يعالجها. لينتقل بعدها للتّفكير الإيجابيّ وليعيش لهدفٍ سامٍ في الحياة، فيبدأ يشعر أنّه عنصر نافع ينتمي إلى مجتمٍع يخدم فيه الآخرين. باختصار، المسيحيّة الحقيقيّة تنبع من الإتّحاد بالله فيختبر المؤمن سِرًّا أبديًّا يمنحه طهارة الرّوح وشفاء القلب واستنارة العقل. عجيب ما يقدر أن يفعله المسيح المخلّص والطّبيب في النّفس البشريّة.

