في بداية عظة الجبل، الّتي قدّم فيها يسوع أسس الحياة في ملكوت الله، افتتح تعليمه بمجموعة من الإعلانات الّتي عُرفت باسم التّطويبات. وهي ليست قائمةً من الواجبات، بل إعلان عن الأشخاص الّذين ينالون بركة الله. وتبدأ جميع هذه التّطويبات بكلمة تحمل جوهر بركة يسوع: “طوبى”. أمّا التّطويبة الأولى فكانت: “طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ”. (متى 5: 3).

والطّوبى ليست مجرّد سعادة عابرة تصنعها الظّروف، بل غبطة عميقة تنبع من علاقة الإنسان بالله. والمفارقة أنّ يسوع لم يبدأ عظته بالحديث عمّا يجب أن يفعله الإنسان، بل عمّا يمنحه الله له.

ففي الوقت الّذي يقيس فيه العالم قيمة الإنسان بما يملك، وما ينجح فيه، وما يحقّقه، يبدأ المسيح من مكان مختلف تمامًا: من الإنسان الّذي يعرف فقره أمام الله.

أيّ فقر يقصده يسوع؟

لا يقصد يسوع بالمساكين الفقراء ماديًّا، بل الذين أدركوا عوزهم الرّوحيّ. فالمسكين بالرّوح هو الإنسان الّذي لا يعتمد على برّه أو قدراته أو إنجازاته، بل يأتي إلى الله معترفًا بحاجته إليه.

وهذا لا يعني احتقار الذّات، بل رؤية الإنسان نفسه على حقيقتها أمام الله. فالمشكلة ليست أن يملك الإنسان مواهب أو نجاحات، بل أن يظنّ أنّه مكتفٍ بذاته ولا يحتاج إلى الله.

وهذا ما حدث مع خادم كنيسة لاودكية، الّذي ظنّ أنّه غنيّ ومكتفٍ، بينما كشف الربّ حقيقته، إذ وصفه بالشّقيّ والبائس والفقير والأعمى والعريان (رؤيا 3: 17). لقد كانت مشكلته أنّه لم يدرك فقره الرّوحيّ. وهذا الخطر لا يزال قائمًا اليوم؛ فقد يظنّ الإنسان أنّه قريب من الله بسبب معرفته الدّينيّة أو ممارساته الرّوحيّة، بينما يبقى قلبه بعيدًا عن الاتّكال الحقيقيّ عليه. فما أكثر الذين يملكون صورة دينيّة خارجيّة، لكنّهم لم يكتشفوا بعد حاجتهم العميقة إلى الله.

هؤلاء لهم ملكوت السّماوات

في هذه التّطويبة يكشف يسوع أنّ العائق الأكبر أمام الإنسان هو وهم الاكتفاء الذّاتي. فالّذي لا يرى حاجته إلى الله لا يطلب ملكوته، أمّا الّذي يتواضع أمامه ويعترف بعوزه، فيصبح مستعدًّا لقبول ملك الله على حياته.

ولهذا يأتي وعد المسيح: “لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ”. فالملكوت ليس لمن يظنّون أنّهم أغنياء روحيًّا، بل لمن اكتشفوا أنّ غناهم الحقيقيّ لا يأتي إلّا من الله. وهنا تكمن مفارقة التّطويبة الأولى: فالإنسان الّذي يأتي إلى الله بقلب يدرك فقره، هو الّذي يرث ملكوت السّماوات.

وهذا الملكوت ليس وعدًا مؤجّلًا إلى ما بعد الموت فحسب، بل عطية تبدأ منذ الآن، إذ يملك الله على قلب الإنسان وحياته عندما يتخلّى عن أوهام الغنى والاكتفاء الذّاتي. عندئذٍ يختبر المؤمن غفران الله وسلامه وحضوره، منتظرًا اكتمال هذا الملكوت في الأبديّة. فالّذين اعترفوا بأنّهم لا يملكون شيئًا أمام الله، يرثون كلّ شيء فيه، لأنّ أعظم غنى يناله المسكين بالرّوح ليس ما يأخذه من الله، بل أن يكون الله نفسه نصيبه إلى الأبد.

Author

شاركها.
Exit mobile version