الحياة حلوة مع المُطلَق
ذات لحظة تأمّل، لمعت في ذهني الأفكار التالية: “من يُردِ الثروة قبل وقتها يَسرُقْ. من يُردِ اللّذة قبل وقتها يزنِ. من يُرد السلطة قبل وقتها يخنْ.” فقلت في نفسي: قليلون يعرفون أنّ “كلّ شيء بوقته حلو”. يستعجل الناس تحصيل هذه الأمور في غير وقتها وبأيّ طريقة. ولا يقدرون، في الوقت نفسه، أن يحتفظوا بها على المدى الطويل. وهي لا تزيد الإنسان قيمة، ولا تُحصّل له شرفًا. الأمر أشبه ببريق في العالم “يُدوِّخ” الإنسان ويجعله على عجلة من أمره وغير قادر على أن يشغّل عقله برويّة فيتهوّر ويسقط. ويسقط معه أهم ما في هذه الدنيا: كرامته وحياته. أمّا دناءة النفس فتذلّ الإنسان وتحوّله إلى عبد للأشياء أو حتّى إلى عبد للأوهام.
كلفة هذه العبوديّة أكبر كثيرًا من كلفة تعلّم مفردات متل: الاكتفاء، والعفّة، والانضباط، والاجتهاد، والأمانة، والنُبل. أمّا وقد عاد الإنسان إلى زمن الأبيقوريّين الّذين حلّلوا العيشة المتفلّتة على اعتبار أن ليس في الحياة ما هو أهم من اللّذة والشهوة والتحصيل والسلطة. ولم يؤمنوا بالطبع بوجود حياة بعد هذه الحياة. وما الذي عمله الأبيقوريّون؟ هل ساهموا في وضع أساسٍ للحضارة في العالم؟ هل حدّدوا قواعد تقدّم الإنسان ونهضة الشعوب؟ بل من الأفضل ربّما أن نسأل: وما الذي حصل للأبيقوريّين؟ لم يحصلوا على أكثر من تمتّع عابر بالّلحظة التي كانوا فيها، ومن دخول في العار الأبديّ. على كل إنسان أن يعرف هذه الحقيقة حتّى يحسّن خياراته. وتحسين الخيارات مبني على النظرة إلى قيمة الحياة. فمن نظر إلى الحياة بدناوة تدنّى. ومن اعتبر الكرامة رفع نفسه إليها. الإنسان مخلوق كريم لخالق كريم. أمّا وقد
“تبهدل” النسل البشري من لحظة السقوط إلى اليوم، فكلّ واحد مدعو ليرجع ويُصحّح وضعه ويسترد كرامته ويبنيها من جديد. حلوة الحياة بكرامة. حلوة الحياة بحريّة. الكرامة والحريّة مرتبطتان إحداهما بالأخرى. إن فرّط المرء بإحداهما خسر الثانية معها. لذلك وجب أن تُصان الحرّية بضوابط الكرامة، سياج الحريّة. أمّا الكرامة والحريّة فقيمتان تأتيان من فوق، من خارج عالم الفساد. تأتيان من عالم الـُمطلَق.
يُقال الكمال لله. فهل يعني هذا القول إبقاء الإنسان في واقعيّة الفشل الدائم؟ ولماذا لا يشدّ الإنسان نفسه نحو الكمال؟ لماذا لا ينجذب نحو الـُمطلَق؟ فهل إذا فعل ذلك فسيجد أن ما يشدّ نفسه إليه يهرب منه كما يهرب قوس القزح من الراكض وراءه ليُمسِكَه؟ البعض يؤكّد أنّ العُلى هو أيضًا كقوس القزح، بريق مجيد ولكن غير ملموس. هل نعود إذًا إلى الحياة الدنيا التي اقترحها الأبيقوريّين كي لا نعيش في الحرمان والتحسّر؟ هل نتبنّى الالتواء ونُشرّعه كي لا نشعر أنّنا لم نستفد من دنيانا؟ قبل أن نُجيب عن هذا السؤال، لا بدّ من أن نعي أن “الـُمُطلَق” يمتدّ إلينا ليُعيننا على أن نعرفه ونختبره ونسمو به. هنا يشكّل سرّ التجسّد الذي يُعلِن لنا به المسيح الصورة التي نحتاج إليها. وهو في سرّ الفداء يُقدّم إلينا عرضًا سخيًّا يُساعدنا فيه لندخل تلك الصورة المفقودة والمنشودة. السؤال: بعد هذا هل نقبل منه عرضه أم نبقى أسرى سحر يُسلّينا إلى حين، ويأخذ منّا إلى أبد؟ حرام أن يخسر الإنسان نفسه وكرامته وحريّته وأبديّته من أجل حفنة مال، وشهوة سلطة، ولحظة لذّة، يأخذها في غير وقتها. الحياة حلوة مع الـمُطلَق.

