المعلّمة تشرح الدّرس، سمعت صوتًا غريبًا. كان أحد الطّلاب يُصدرُ صوتًا أشبه بالصّفير بشكلٍ متكرّر. ضحك التّلامذة والتفتت المعلّمة نحو التّلميذ وسألته عن الأمر. قال أنّه يعاني من متلازمة “توريت” وأنّ الأصوات الّتي تخرجُ منه هي غير إراديّة وخارجة عن سيطرته.
ما هي متلازمة “توريت”؟
متلازمة “توريت” هي إضطّراب عصبيّ يظهر عادةً في الطّفولة المبكرة ويتميّز بحركاتٍ وأصواتٍ لا إراديّة متكرّرة يصعب التحكّم بها. تبدأ الأعراض عادةً بين عمر الخمس والخمس عشرة سنة، وغالبًا ما تكون عند الذّكور أكثر شيوعًا مقارنةَ بالإناث. وتزداد شدّتها في حالات التوتّر والقلق. لا تؤثّر هذه المتلازمة على القدرات المعرفيّة أو على مستوى الذّكاء، لكنّ بعض المصابين يمكن أن يُعانوا من اضطّرابات مُصاحِبة كالقلق والوسواس القهريّ.
الأعراض الرّئيسيّة
تتنوّع الأعراض، فقد تظهر من خلال حركاتٍ متكرّرةٍ مفاجئةٍ مثل رمش العين، هزّ الكتفَين، القفز أو الدّوَران، أو من خلال أصوات لا إراديّة يصعب التّحكّم بها كالشّخير أو أصوات الحلق.
الأسباب
أسباب هذه المتلازمة مزيج من عوامل وراثيّة، وفيزيولوجيّة. تلعب العوامل الوراثيّة دورًا مهمًّا حيث تشير الدّراسات إلى وجود جينات متعددّة تزيد من خطر الإصابة. ومن النّاحية الفيزيولوجيّة فقد تكون الأعراض ناتجةً عن خللٍ في مناطق معيّنة من الدّماغ أو بسبب خللٍ في النّواقل العصبيّة. ومن النّاحية النّفسيّة فإنّ التوتّر والإجهاد قد يكونان سببًا في تفاقم الأعراض.
العلاج
للعلاج الدّوائيّ دورٌ مهمٌّ في التّحكّم بالأعراض. كذلك العلاج المعرفيّ السّلوكي من خلال تقنيّات متنوّعة منها: تغيير العادات، الاسترخاء، والتّنفّس العميق، وتدريب المريض على الإدراك والإستجابة ممّا يساهم في التّخفيف من التّشنّجات اللاإراديّة. ويعزّز قدرة المصاب على التّكيّف مع التّحدّيات النّفسيّة والإجتماعيّة الّتي قد تواجهه. بالإضافة إلى أنّ التّدخّل الجراحيّ الّذي يلعب دورًا مهمًّا في المراحل المتقدّمة من المرض. أمّا في الحالات المتوسّطة والخفيفة فيُفضّل متابعة الحالة مع طبيبٍ متخصّصٍ وذلك لتحديد الأنسب حسب شدّة الأعراض، وتأثيرها على الحياة اليوميّة. ويجب تأمين البيئة الدّاعمة من خلال توفير الدّعم العاطفيّ والتّقبّل ممّا يخفّف من أعراض العزلة الّتي قد يعاني منها المريض ويساعد في تحسين أدائه الإجتماعيّ وتوازنه النفسيّ.
المصاب “بتوريت” قد لا يستطيع السّيطرة على ما يظهر منه، فينبغي ألّا يُقاس بالحكم السّطحيّ، بل بما يظهر في سيرته وأفعاله الحقيقيّة عندما يُفهم ويُعطى المجال للتّعبير عن نفسه بكرامة. معاملة أصحاب هذه المتلازمة يجب أن تكون باحترام ومحبّة كما مع سائر النّاس. يقول يعقوب في رسالته: “مَن هُوَ حَكِيمٌ وعَالِمٌ بينَكُمْ فَليُرِ أَعمَالَهُ بالتصرّفِ الحَسَنِ في وَداعَةِ الحِكمَةِ”. تفتح هذه الآية بابًا لفهم كيف ينبغي للمجتمع أن يتعامل مع مَن يُعانون من حالات مثل “توريت”. فالشّخص المصاب لا يحتاج إلى شفقة بل إلى مجتمعٍ يفهمه، يحتمله، ويتفاعل معه بوداعة وبمحبة.

