يتردّد هذا السّؤال في المنتديات والوسائل الإعلاميّة المعاصرة حيث يتداخل السّياسيّ بالدّينيّ، والتّفسيريّ بالأيديولوجيّ. غير أنّ العودة إلى نصوص العهد الجديد واللاهوت الكتابيّ تكشف صورةً مختلفةً عمّا يُشاع.
تاريخيّة الهيكل
بُني الهيكل الأوّل في عهد سليمان نحو 1000 ق.م، ودُمّر سنة 586 ق.م، ثمّ أُعيد بناؤه على يد زربابل سنة 516 ق.م، قبل أن يوسّعه هيرودس. لكنّ هذا الهيكل دُمّر نهائيًّا سنة 70 م على يد تيطس الرّومانيّ، تحقيقًا لنبوّة المسيح: “لاَ يُتْرَكُ ههُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ!” (متى 24: 2).
لم يكن هذا الدّمار حدثًا تاريخيًّا فحسب، بل إعلانًا لاهوتيًّا بانقضاء العهد القديم بهيكله وطقوسه ورموزه، إذ أتمّ المسيح النبوّات بذبيحة نفسه مؤسِّسًا لعهد جديد (عب 9: 11؛ 10: 9). ومن هنا تغيّر مفهوم الهيكل: فلم يعد بناءً ماديًّا، بل صار المسيح نفسه الهيكل الحقيقيّ، وجسده الّذي هو الكنيسة (يو 2: 21؛ 1كو 3: 16؛ أف 2: 21-22). لذلك يُفهَم أيّ مشروع لإعادة بناء هيكلٍ أرضيّ كرجوعٍ عن كمال عمل الفداء وإبطالًا لنبوّة المسيح.
محاولات فاشلة لإعادة بناء الهيكل
شهد التّاريخ محاولاتٍ متكرّرةً لإعادة البناء واستعادة الطّقوس الغائبة. حاول “شمعون بار كوخبا” أثناء ثورته أيّام الأمبراطور هادريان وفشل (132–135 م).
ثمّ جاءت المحاولة الأبرز سنة 363 م في عهد الإمبراطور جوليان المرتدّ، الّذي أراد تكذيب نبوّة المسيح. لكنّ المؤرّخ الرّومانيّ أميانوس مارسيليانوس يروي أنّ زلزالًا قويًّا وقع وخرجت كراتٌ ناريّةٌ مرعبةٌ قرب الأساسات، فكانت تحرق العمّال وتمنع استمرار العمل، ما أدّى إلى توقّف المشروع نهائيًّا. وقد رأى آباء الكنيسة، مثل يوحنّا الذّهبيّ الفم وكيرلس الأورشليميّ، في هذه الأحداث تدخّلًا إلهيًّا يؤكّد استحالة إعادة بناء ما أبطلته نبوّة المسيح.
كما ظهرت محاولةٌ أخرى سنة 614 م خلال الغزو الفارسيّ السّاسانيّ، لكنّها أُجهِضت سريعًا. ومع بناء المسجد الأقصى وقبّة الصّخرة سنة 691 م، تعقّدت إمكانيّة إقامة الهيكل عبر القرون.
المحاولات المستجدّة: لمن يُبنى الهيكل؟
وفي العصر الحديث، تجدّد الحلم ببناء “الهيكل الثّالث” لدوافع قوميّة ودينيّة بعد قيام دولة إسرائيل سنة 1948، خصوصًا بعد 1967، بل وتدعمها التيّارات المسيحيّة الصّهيونيّة الّتي تؤمن أنّه ضروريّ لإتمام النّبوّات وتمهيدًا لرجوع المسيح (حز 40–48).
غير أنّ هذا الطّرح يُثير إشكالًا لاهوتيًّا ومأزقًا أخلاقيًّا، إذ تُشير نبوّات النّبيّ دانيال والرّبّ يسوع والرّسول بولس، أنّ “ضدّ المسيح” (Anti-Christ) سيُنجّس هذا الهيكل ويجلس فيه مظهرًا نفسه كإلهٍ (دا 9: 27؛ مت 24: 15؛ 2 تس 2: 4). فكيف يُتحمّس لبناء هيكل قد يرتبط، بحسب هذه النّصوص، بعمل “ضدّ المسيح”؟
خلاصة وتحذير
هناك اتّفاقٌ واسعٌ وثابتٌ بين اللاهوتيّين على أنّ عودة المسيح لا تتوقّف على بناء هيكلٍ جديد، بل هي حدثٌ مستقبليّ مفاجئ. أمّا الرّجاء الحقيقيّ فيكمن في أورشليم السّماويّة، الّتي قيل عنها: “وَلَمْ أَرَ فِيهَا هَيْكَلًا، لأَنَّ الرَّبَّ اللهَ الْقَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ هُوَ وَالْخَرُوفُ هَيْكَلُهَا.” (رؤ 21: 22). لذلك يُدعى المؤمنون إلى السّهر والاستعداد الرّوحيّ لملاقاة المسيح الرّبّ والدّخول إلى ملكوته المجيد، لا إلى الانخراط في بناء هيكل لضدّ المسيح مُضلّل الأمم.


