يصدح قول الشّاعر العربيّ أبو الطّيّب المتنبّي: “إذا أكرمتَ الكريمَ ملكتهُ وإنْ أنتَ أكرمتَ اللّئيمَ تمرّدا”. في مختلف جلسات الأصدقاء، حينما يروي أحدهم ما حدث له مع الّذي لم يعترف بالـمعروف الـمُقدَّم إليه. ولكن هل يُمكن انتقاء الأشخاص قبل تقديم المساعدة إليهم؟
هذا أمرٌ مستحيل! لأنّه يصعب معرفة ما بداخل الإنسان أو تكهُّن ردّة فعله قبل التّعامل معه. وفي كثيرٍ من الأحيان نأخذ فكرةً خاطئةً عن شخصٍ وتبقى مطبوعةً في الذّهن لفترةٍ طويلةٍ إلى أن يأتي يوم يكشف العكس تمامًا. أو نقابل شخصًا مثاليًّا، ولكن عند أوّل مشادّة كلاميّة تظهر عدوانيّته، فنقول في أنفسنا :كم يجيد التّمثيل! فلطالما أوهمنا بأنّه يحمل طباعًا لطيفة بينما الحقيقة أظهرت بأنّه كان يلبس مجرّد قناع.
أمّا الّذي يعلم ما بداخل الإنسان فهو الله وحده، مثلما نتعلّم من رسالة العبرانيّين: “وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا.”
فما بالك بما حدث مؤخّرًا مع إحدى المدرّسات في أثناء مراقبة الطّلّاب في الامتحانات الرسميّة. فلقد عانت إحدى التّلميذات من ألمٍ في البطن والرّأس، فسارعت المراقبة لاستدعاء المرشدة الصّحيّة المسؤولة في مركز الامتحانات للاهتمام بالطّالبة. فلاقت اهتمامًا وعطفًا حتّى من رئيس المركز نفسه. وحين عادت التّلميذة لمتابعة المسابقة، تعاونت معها مراقِبة الصّفّ والمراقِبة العامّة فانتظرتاها لاستكمال مسابقتها. وبالنّتيجة، خلق جوّ من العطف والامتنان.
ولكن ما حدث مساء ذلك النّهار أزال صورة العطف والبراءة. فلقد نشرت والدة تلك الطّالبة على إحدى منصّات التّواصل الاجتماعيّ، كلامًا يحمل صورة مغايرة للحقيقة، حيث شوّهت صورة الخدمة الّتي قُدِّمَت لابنتها. وانهال الجمهور الافتراضيّ بالشّتائم فطالوا جميع الطّاقم التّعليميّ.
وفي النّهار التّالي قدمت المفتّشة لتفتح تحقيقًا بما حدث، طبعًا لأنّها علمت بالحادثة بواسطة الثّرثرة الالكترونيّة، تلقّت الخبر الخاطئ. وابتدأ مشوار الاستجوابات والتّحقّق من كاميرات الـمراقبة.
في النّهاية، ظهرت الحقيقة ولكن لم ينل أحدٌ من الكادر التّعليمي إنصافًا. فلم يقم أحد بردّ اعتبار المعلّمين أو الاعتذار منهم. فبرأي التّفتيش، إنّ اللّوم يُلقى على المعلّم ولا يمكننا فعل شيء مع الطّالب أو أهله.
شُوِّهَت سُمعَة المركز بأكمله بسبب عدم قول الحقيقة. فالعمل الّذي يستحقّ الشّكر نال الإهانة.
فهل هذه الحادثة تدفعنا للتّوقّف عن تقديم المعروف؟
أبدًا! فالمعروف يعبّر عن شخصيّة الإنسان الّذي عمله، كما يُحدِّد شخصيّة مَن يُقدّم إليه هذا العمل. ومن واجب كلّ امرئ أن يعمل الأحسن ويقدّم أفضل ما لديه ريثما نعيش وسط مجتمعٍ صحّي وآمِن. ويبقى الأمل برؤية العدالة محقّقة، فيردّ الحقَّ لأصحابه.
هكذا ينبغي أن يعيش الإنسان السّويّ طيلة أيّامه على هذه الأرض مردّدًا في ذهنه ما أوصى به بولس الرّسول كنيسة كولوسي: “وَكُلُّ مَا فَعَلْتُمْ، فَاعْمَلُوا مِنَ الْقَلْبِ، كَمَا لِلرَّبِّ لَيْسَ لِلنَّاسِ، عَالِمِينَ أَنَّكُمْ مِنَ الرَّبِّ سَتَأْخُذُونَ جَزَاءَ الْمِيرَاثِ، لأَنَّكُمْ تَخْدِمُونَ الرَّبَّ الْمَسِيحَ.” ولا بدَّ أن يُنصِف الله المحسن ويدين الرّجل اللّئيم، حتّى ولو لم يكن حكم الأرض منصِفًا.

