تخيّل أمًّا تطلب من ابنها ترتيب غرفته فيرفض، فترفع صوتها ويردّ هو بالصّراخ. بعد دقائق، يتحوّل الخلاف إلى صراعٍ بين إرادتين ينتهي بغضبٍ متبادلٍ من دون أن يتحقّق الهدف الأساسيّ.
في مشهدٍ آخر، يروي زوج لزوجته مشكلةً واجهته في العمل، فتقاطعه لتقديم النّصيحة. يشعر بأنّها لا تفهم معاناته، فيرفع صوته متّهمًا إيّاها بعدم الاهتمام، بينما في الحقيقة كانت تحاول مساعدته، لكنّها لم تُدرك أنّه يحتاج إلى الإصغاء أكثر من حاجته إلى الحلول.
أمّا في البرلمان، حيث يُفترض أن تدور النّقاشات حول قضايا النّاس ومصالحهم، فكثيرًا ما ترتفع الأصوات وتتبادل الاتّهامات والإهانات، لتتراجع القضايا العامّة أمام التّجريح الشّخصيّ والمناكفات السّياسيّة.
تختلف هذه المشاهد في تفاصيلها، لكنّها تلتقي عند نقطةٍ واحدة. كيف يتحوّل الاختلاف الّذي يُفترض أن يكون فرصةً للفهم إلى مواجهة يسعى فيها كلّ طرف إلى إثبات أنّه على حقّ؟
في معظم الأحيان، لا يبدأ الخلاف بالصّراخ، بل بكلمةٍ عابرةٍ أو موقفٍ بسيطٍ أو شعورٍ لم يجد طريقه إلى التّعبير. ومع تصاعد التّوتّر، تضيع القدرة على الإصغاء، ويصبح الصّوت المرتفع وسيلةً للدّفاع عن النّفس أو فرض الرّأي، بدلًا من أن يكون الحوار سبيلًا إلى التّفاهم.
لماذا يتحوّل الخلاف إلى صراخ؟
فما الّذي يجعلنا نرفع صوتنا عند الخلاف؟
تتعدّد الأسباب النّفسيّة وراء هذا السّلوك. فقد يرفع الإنسان صوته لأنّه يشعر بأنّه غير مسموع، أو لأنّه يجد صعوبةً في ضبط انفعالاته، أو لأنّ الخلاف يوقظ في داخله شعورًا عميقًا بالعجز أو الإهانة. وقد يكون الصّراخ، أحيانًا، محاولةً للسّيطرة وإخضاع الطّرف الآخر. وهنا لا بدّ من التّمييز بين انفعالٍ يصعب ضبطه وسلوكٌ متعمّدٌ يهدف إلى التّخويف أو التّرهيب.
إنّ ارتفاع الصّوت لا يجعل الحجّة أقوى، ولا يعني أنّ صاحبها على حقّ. بل قد يحجب الحقيقة ويترك جروحًا تتجاوز حدود الخلاف نفسه.
من الانفعال إلى الإصغاء والتّفاهم
إنّ النّضج العاطفيّ لا يعني ألّا نغضب، بل أن نتعلّم كيف نعبّر عن غضبنا من دون أن نؤذي الآخر. فحين نتوقّف قليلًا ونُصغي قبل أن نردّ، ونتذكّر أنّ هدف الحوار ليس الانتصار على الآخر، بل الوصول إليه، نمنح علاقاتنا مساحةً أوسع للاحترام والتّفاهم، بدلًا من أن نحوّلها إلى ساحة للصّراع.
في هذا السّياق، يقدّم لنا الكتاب المقدّس حكمةً عميقةً في التّعامل مع الخلافات، إذ يقول يعقوب أخو الربّ في رسالته: “إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، لِيَكُنْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُسْرِعًا فِي الاسْتِمَاعِ، مُبْطِئًا فِي التَّكَلُّمِ، مُبْطِئًا فِي الْغَضَبِ”.
لعلّنا نحتاج أحيانًا إلى أن نتذكّر هذه الكلمات قبل أن نرفع أصواتنا. فليس كلّ خلاف يحتاج إلى ردّ سريع، وليس كلّ اختلاف معركة ينبغي أن ننتصر فيها. ففي كثيرٍ من الأحيان، تكون كلمةٌ هادئة، وأذنٌ تُحسن الإصغاء، أو قلبٌ مستعدٌّ للفهم، أقوى من ألف كلمة تُقال بصوت مرتفع.

