“اُذْكُرْ يَسُوعَ الْمَسِيحَ”… هي الوصيّة الّتي اختصر بها الرّسول بولس جوهر الإيمان في رسالته الأخيرة لتلميذه تيموثاوس (2تي 2: 8). فالذّاكرة ليست مجرّد مخزن للمعلومات، بل هي المحرّك الّذي يُشكّل وعيَنا بذواتنا ويربط ماضينا بحاضرنا لنكون أشخاصًا ناضجين. حين يأمرنا بولس بذكر يسوع المسيح، فهو لا يطلب منّا تكرار اسمه كتعويذةٍ لفظيةٍ كما يفعل الوثنيّون والمشعوذون، بل يدعونا لاستحضار “شخص” المسيح الحي كحالةٍ ذهنيّةٍ وقلبيّةٍ دائمة، ليكون هو المعيار الوحيد والمقرّر لكلّ أفعالنا وقراراتنا في الحياة.
“اُذْكُرْ يَسُوعَ الْمَسِيحَ”… في ذاكرتك لتقديس وعيِك. فذاكرتنا البشريّة كثيرًا ما تئنّ تحت ثقل حوادث وخطايا ومشاهد مؤلمةٍ نتمنّى لو تُمحى. هنا يعمل ذكر المسيح كمصفاة روحيّة تُصفّي تلك الذّكريات المريرة وتستبدلها بانتصار القائم من الأموات. إنّ تذكّر المسيح “المقام” هو حجر الزّاوية الّذي يمنع الرّوح من الانكسار في لحظات الفشل، ويحوّل الذّاكرة من مأوًى للمخاوف إلى مستودعٍ للقوّة، فنردّد مع بولس: “أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ”.
“اُذْكُرْ يَسُوعَ الْمَسِيحَ”… في شهادتك وكلامك أمام الآخرين. فالفعل “اذكر” ينتقل من النّطاق الدّاخليّ للذّاكرة ليصير “ذاكرةً منطوقةً” على اللسان. العالم اليوم لا يحتاج إلى وعظٍ نظريّ أو جدالاتٍ طائفيّةٍ جافّة، بل هو بحاجةٍ إلى رؤية “المسيح” فينا. إنّ شهادتنا تفقد بوصلتها عندما ننشغل بالعقائد المجرّدة وننسى “صاحب الإنجيل”، لكن عندما يفيض القلب بذكر المسيح، تصبح كلماتنا صدًى لأمانة الله الّتي اختبرناها، ونعلن بشجاعةٍ أنّه لا يوجد اسم آخَر تحت السّماء به ينبغي أن نخلص.
“اُذْكُرْ يَسُوعَ الْمَسِيحَ”… في عبادتك وشركة الكنيسة. فعندما نجتمع للصّلاة، نحن لا نؤدّي طقسًا، بل نحقّق وعده بالحضور في وسطنا. في “المائدة المُقدّسة”، تبرز الوصيّة الجوهريّة: “اصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي”، لتعيدنا دائمًا إلى حقيقة أنّنا مدينون بالكامل لمن مات وقام لأجلنا. إنّ ذكر اسم يسوع في العبادة يحوّل صلواتنا من مجرّد “طلبات احتياج” إلى تدفّق لحياة يسوع المُقام من الأموات، ويجعلنا نختبر شركةً حقيقيّةً مع الملك الّذي سيملك أخيرًا ونملك نحن معه.
“اُذْكُرْ يَسُوعَ الْمَسِيحَ”… بوصلة أبديّة. فما نزرعه في ذاكرتنا اليوم سيرافقنا إلى ما وراء القبر، إمّا كمنبع لتعزيةٍ أبديّةٍ أو كسببٍ لحسرة لا تنتهي. إنّ الذّاكرة الّتي لا تضعف هي تلك اّلتي تجعل من اسم الربّ نبضًا لها في أرض الغربة. طوبى لمن يذكر اسم الربّ، فإنّه ينال الوعد الإلهيّ الوارد في سفر ملاخي، بأن يُكتب اسمه في “سفر تذكرةٍ” أمام الله، ليكون من خاصّة الربّ وكنوزه الثّمينة في يوم مجده: “وَكُتِبَ أَمَامَهُ سِفْرُ تَذْكَرَةٍ لِلَّذِينَ اتَّقُوا الرَّبَّ وَلِلْمُفَكِّرِينَ فِي اسْمِهِ.”

