في آذار 2026، وفي لقاء مُغلَق في روما، ألقى المستثمر التّقنيّ “بيتر ثيل” محاضرةً حول “ضدّ المسيح”، بحضور مختصّين ومهتمّين. جاء ذلك في سياق تحذيرات البابا ليو الرّابع عشر من مخاطر الذّكاء الاصطناعيّ، وضرورة ضبطه أخلاقيًا لحماية كرامة الإنسان ومنع أن تتحوّل حياته ونشاطاته إلى مجرّد بياناتٍ ضمن أنظمةٍ مركزيّةٍ بلا قيودٍ واضحة.
قراءةٌ فلسفيّةٌ في هيمنة الذّكاء الاصطناعيّ
قدّم ثيل مفهوم “ضدّ المسيح” لا كشخصيّةٍ تظهر في الأيّام الأخيرة، بل كنموذجٍ لنظامٍ تقنيّ شموليّ، يظهر فيه الشرّ في صورة “خير أخلاقيّ”. واعتبر أن تقنيّات مثل التّعرّف البيومتريّ والتّعامل بالعملات الرقميّة قد تشكّل أدواتٍ محتملةً لتركيز بنية نظامٍ عالميّ غير مسبوق يُهَيمِن على النّشاط الاقتصاديّ، في تقاطع رمزيّ مع صاحب الرّقم 666 في سفر الرّؤيا.
تعتمد رؤية ثيل على خلفيّته الفلسفيّة المتأثّرة بأفكار الفيلسوف رينيه جيرار حول النّزاعات المجتمعيّة وآليّات التّضحية، التي تُستخدم أحيانًا في تحليلات الخوف من الفوضى والسُّلطة. كما يستلهم ثيل إشاراتٍ رمزيّةً من عمل فلاديمير سولوفيوف A Short Tale of the Antichrist، وهو نصّ أدبيّ يعالج تصوّر شخصيّةٍ قياديّةٍ عالميّةٍ في نهاية الزّمان.
موقف الفاتيكان
لم يُوجّه البابا ليو الرّابع عشر اتّهامًا رسميًّا بالهرطقة إلى ثيل، إلّا أنّ مستشاره الأب باولو بينانتي، المتخّصص في الأخلاقيّات والذّكاء الاصطناعيّ، أشار إلى أنّ بعض طروحاته قد تُفهَم كتهديدٍ للقِيَم الليبراليّة، خصوصًا إذا فُسّرت كتبريرٍ لسلطةٍ مركزيّةٍ قويّة.
يحذّر ثيل من أنّ أيّ محاولة لفرض مرجعيّةٍ أخلاقيّةٍ موحّدة على الذّكاء الاصطناعيّ، حتّى لأغراض الحماية، قد تؤدّي إلى تركيز ٍكبيرٍ للسّلطة في أطرٍ مركزيّة. ويرى بعض المحلّلين أنّ هذه المخاوف تتقاطع رمزيًّا مع ما ورد في سفر الرّؤيا حول “ضدّ المسيح”، وهي صورةٌ استخدمها آباء الكنيسة الأوائل للتّحذير من سلطات استبداديّة قد تظهر في آخر الأزمنة.
الخلاصة: هل سنخسر حريّتنا؟
تُظهر هذه المقاربات تقاطعًا متزايدًا بين الفكر الدّينيّ والتّطوّر التّكنولوجيّ، حيث لم يعد الحديث عن “الوحش” أو “ضدّ المسيح” مجرّد سردٍ لاهوتيّ تفسيريّ، بل إطارًا لتحليل أنماط السّيطرة الحديثة. فالأدوات، من المراقبة الرقميّة إلى التّحكّم الاقتصاديّ، أصبحت واقعيّةً وفاعلة.
ويبقى السّؤال: هل سيتمكّن الإنسان من الحفاظ على حريّته الشّخصيّة والدّينيّة في مواجهة أنظمةٍ قد تفرض شروطها على أبسط تفاصيل الحياة، كما تصوّرها الإصحاح الثّالث عشر من سفر الرّؤيا، حيث يُمنع من لا يمتثل للوحش ويسجد له من البيع والشّراء، ويواجه الاضطّهاد الحتميّ؟
هذا السّؤال لا ينتمي إلى اللاهوت وحده، بل أصبح في صميم النّقاش العالميّ حول مستقبل الإنسان في عصر الذّكاء الاصطناعيّ.

