ليست كلّ ابتسامةٍ صادقة. وليست كلّ مجاملةٍ دليل محبّة.
في حياتنا اليوميّة نلتقي بأشخاصٍ يبتسمون كثيرًا. لكنّهم قد يخفون وراء ابتساماتهم مواقف مختلفةً تمامًا. قد تكون الابتسامة وسيلةً لتجنّب المواجهة. وقد تتحوّل أحيانًا إلى قناعٍ يخفي الخطأ أو التّملّق أو حتّى الفساد.
المشكلة ليست في الابتسامة. المشكلة تبدأ حين نستخدمها للتّغطية على ما نعرف أنّه خطأ.
عندما تصبح المجاملة قناعًا
في بعض بيئات العمل، تتحوّل المجاملة إلى وسيلةٍ لحماية المصالح. يُقال الكلام الجميل في العلن. وتُدار الأمور بطريقةٍ مختلفةٍ في الخفاء.
قد يعرف الجميع أنّ قرارًا ما خاطئ. لكن لا أحد يجرؤ على الاعتراض. وقد يرى الموظّف أنّ الصّمت أسهل من قول الحقيقة. ومع الوقت قد يتعلّم الإنسان أنّ المحافظة على موقعه أهمّ من المحافظة على ضميره.
هنا تصبح الاستقامة مكلفة.
قد يكون المدير محاطًا بمن يقولون له ما يحبّ أن يسمعه. وقد تُهمَّش الكفاءة لأنّ صاحبها لا يجيد التّملّق. وقد يُستبعد الموظّف الأمين لأنّه يرفض أن يبتسم للخطأ.
وهذا لا يحدث في المؤسّسات فقط. قد نراه في العلاقات وفي الحياة العامّة أيضًا. فالإنسان قد يجامل كي يحافظ على مصلحة. وقد يصمت كي يتجنّب مشكلة. وقد يساير موقفًا يعرف في داخله أنّه غير صحيح.
لكن هل يمكن أن نبني نجاحًا حقيقيًّا على إخفاء الحقيقة؟ وهل يمكن أن يستمرّ عملٌ يقوم على المجاملة الزّائفة؟
عندما تصبح الاستقامة مكلفة
الاستقامة لا تعني أن يقول الإنسان كلّ ما يفكّر فيه بطريقةٍ جارحة، ولا تعني أن يبحث عن المواجهة في كلّ موقف.
الاستقامة تعني أن يبقى الإنسان واحدًا في الدّاخل والخارج. أن يكون كلامه صادقًا، وأن يكون موقفه واضحًا، وأن يرفض أن يقول شيئًا لا يؤمن به لمجرّد إرضاء الآخرين.
وقد يدفع الإنسان ثمن ذلك.
قد يخسر فرصة. وقد يتعرّض للتّهميش، وقد يسمع كلامًا قاسيًا أو يشعر أنّه يقف وحده حين يختار ألّا يساير الخطأ.
لكنّ خسارة موقعٍ لا تعني خسارة الكرامة. ورفض التّملّق لا يعني الفشل.
فالنّجاح الّذي يحتاج إلى بيع الضّمير ليس نجاحًا حقيقيًّا. والمال والسّلطة لا يعوّضان الإنسان عن سلامه الدّاخليّ.
اختر ما تستطيع أن تعيش معه
كلّ واحدٍ منّا يواجه لحظاتٍ يضطرّ فيها إلى الاختيار. هل أصمت كي أحافظ على موقعي؟ هل أوافق كي لا أخسر علاقتي؟ هل أبتسم كي أتجنّب المشكلة؟ أم أقول الحقّ بمحبّة وأتحمّل نتيجته؟
لا نستطيع تغيير كلّ ما حولنا، لكنّنا نستطيع أن نقرّر كيف نعيش وسطه.
الاستقامة تبدأ من الدّاخل. تبدأ حين يرفض الإنسان أن يعيش بشخصيّتين. واحدة أمام النّاس وأخرى عندما يكون وحده.
لذلك لا تجعل المجاملة ثمنًا لضميرك، ولا تجعل الخوف سببًا لتبرير الخطأ.
كن صادقًا، كن أمينًا، وقل الحقّ بمحبة.
قد لا يكون طريق الاستقامة هو الأسهل، لكنّه الطّريق الّذي تستطيع أن تنظر في نهايته إلى نفسك بسلام.
وحين تضطرّ إلى الاختيار بين رضا النّاس وراحة ضميرك، اختر ما تستطيع أن تعيش معه أمام الله وأمام نفسك.


