يشيع بين المسيحيّين أنّ “الله يكره الطّلاق”. تبدو هذه العبارة الواردة في نبوّة ملاخي إقرارًا صريحًا واضحًا بكراهيّة الله للطّلاق بشكلٍ عامّ (مل 2: 16). إلّا أنّ من يقرأ العهد القديم سيرى أنّ الله طلّق إسرائيل، فنسأل كيف لله أن يكره الطّلاق وهو تعالى أجازه لنفسه في إنهاء علاقته بشعبه؟ (إر 3: 8).
تُستخدَم في لغة العهد القديم صورة الزّوج والزّوجة أو العروس والعريس لترمز لعلاقة الله بشعبه. فقد اختار الله شعب إسرائيل ودخل معه في عهد مقدّس. وأراد لهذا الشّعب أن يكون له بمثابة العروس النقيّة الأمينة لعريسها السّماويّ، إلّا أنّها خانته وأحزنت قلبه وفعلت الشرّ وارتكبت الظّلم والغدر واتّصفت بالتّمرّد والعناد فطلّقها الله رسميًّا وقانونيًّا بكتاب طلاق. سُجّلت صيغة هذه الحالة بكلمات الله على لسان النّبيّ إشعياء الّذي قال: “هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: أَيْنَ كِتَابُ طَلاَقِ أُمِّكُمُ الَّتِي طَلَّقْتُهَا؟… هُوَذَا مِنْ أَجْلِ آثَامِكُمْ قَدْ بُعْتُمْ وَمِنْ أَجْلِ ذُنُوبِكُمْ طُلِّقَتْ أُمُّكُمْ.” (إش 50: 1).
وهنا أعود للإجابة على السّؤال: كيف يكره الله الطّلاق؟ وما هو التّفسير السّليم لهذه الكلمات في سفر ملاخي؟ وإذ نفهم ما قصد الله في كلماته هذه نعود لنُحدّد موقفًا من الطّلاق المطروح بين الأزواج.
أمّا هذه العبارة “الله يكره الطلاق” فهي تتلائم مع قوانين الله للطّلاق حيث سمح الله به في حال وجود عناصر أدبيّة وقانونيّة مكتملة. وهذا ما ورد في سفر التّثنية (24: 1-4). حيث عالجتالشريعةحالَتَي زواج وطلاق بين زوجَين. في الزّواج الأوّل نرى أنّ زوجةً فقدت نعمة في عينَي زوجها الأوّل فطلّقها لوجود عنصر العلّة أو العيب المُثبَت، “عَيْب شَيْءٍ“. وكان هذا الطّلاق يحتاج لإلزاميّة وجود “كِتَابُ طَلاقٍ” من القضاء المختصّ. وبدون كتاب طلاق لا يكون الطّلاق مكتملًا بموجب الشّريعة. وحصل زواجٌ ثانٍ بين المُطلَّقَة نفسها وزوج آخر الّذي عاد وطلّقها لمُجرّد أنّه أبغضها وذلك من دون وجود عيبٍ ما غير البغض. هنا لا يستطيع الزّوج الأوّل أن يتزوّج المُطلَّقَة بلا سبب.
أمّا موضوع “الطّلاق المكروه” الّذي ندرسه في سفر ملاخي، فهو مختلف عن الطّلاق المُبرَّر في سفر التّثنية. ففي سفر التّثنية يحكي عن وجود “عيب” في المرأة أوصل الزّوج لتطليقها، بينما في سفر ملاخي نجد أنّ العيب كان في رجال يهوّذا الذين طلّقوا زوجاتهم ظلمًا من دون عيبٍ ومبرِّر وذلك فقط ليتزوّجوا بنساء أمميّات وثنيّات. وما فعله كلّ رجل فيهم لم يكن تعدّيًا على امرأته وحسب، بل على العهد والربّ أولًا.
هكذا، وإن دقّقنا في النصّ العبريّ لسفر ملاخي لوجدنا أنّه يقول: أنّ من طلّق زوجته بدون علّة، وغدر بها وأرسلها وتزوّج بأجنبيّة هذا من يكرهه الرّبّ. وهذا ما أوضحته بشكلٍ دقيقٍ ترجماتٌ دقيقةٌ كالتّرجمة اليسوعيّة وترجمة الحياة والتّرجمة العربيّة الجديدة إذ حدّدت: “فمَن أبغَضَ وطلَّقَ” أو “إذا طلّق أحد عن بغض” أي بدون سببٍ أو علّة مثبتة هذا من يكرهه الرّبّ. بناء عليه نرى ما جاء في سفر ملاخي يتطابق بشكل وثيق مع القوانين الإلهيّة للطّلاق كما هي مُصاغة في سفر التّثنية. حيث نخلص أنّ الله “يَكْرَهُ الطَّلاَقَ” ظلمًا، وبدون مسوّغ أدبيّ أو قانونيّ. فالله لا يُبرّر الفاعل الّذي “يُغَطِّيَ الظُّلْمَ بِثَوْبِهِ”، أو الرّجل الّذي يُبرّر لنفسه فعلته الشّنيعة. وهكذا يُحذّر النّبي ملاخي الرّجل من الغدر بامرأة شبابه وزوجة العهد، ويقول للرّجال: “فَاحْذَرُوا لِرُوحِكُمْ وَلاَ يَغْدُرْ أَحَدٌ بِامْرَأَةِ شَبَابِهِ”.
إذًا الموضوع هو كراهيّة الله ورفضه للطّلاق الظالم المبنيّ على أنانيّة وهذا نابع من قداسته. فالقدّوس يكره الخطيّة. إلّا أنّه وإن سَمَحَ للطّلاق أن يُتمَّم عند وجود “علّة تُبرّره” لا ينقض تقديسه للزّواج إنّما يُراعي أيضًا الحاجة الإنسانيّة والضّعف البشريّ مُشرّعًا وقاضيًا وضابطًا سلوك البشر لأجل خيرهم بعدله وحكمته الإلهيّين.

