الوحش الطّالع من الأرض
من هو هذا الوحش؟ ومن أين يخرج؟
إنّه الوحش الثّاني “الطّالع من الأرض” وذلك على عكس الوحش الأوّل “الطّالع من البحر”. (رؤ 13: 1 و11-18). والبحر يرمز إلى الأمم. وإن كان الوحش الأوّل أمميًّا يرى بعض المُفسرين أنّ الوحش الثّاني هو يهوديّ يطلع من فلسطين، أرض الميعاد، أو أرض إسرائيل.
والوحش الخارج من الأرض هو شخص يُبرِزه التنّين، إبليس الماكر والمُضلّل بشكل خروف وديع يُشبه المسيح حمل الله رافع خطايا العالم، وذلك ليُضِلّ الأمم إلّا أنّ لغته وكلامه يُظهِران صوت التنّين عبره مما يفضحه على حقيقته: “ثُمَّ رَأَيْتُ وَحْشًا آخَرَ طَالِعًا مِنَ الأَرْضِ، وَكَانَ لَهُ قَرْنَانِ شِبْهُ خَرُوفٍ، وَكَانَ يَتَكَلَّمُ كَتِنِّينٍ” (رؤ 13: 11). إذًا كلامه شيطانيّ وهو مؤيَّد من التنّين الّذي كان أيضًا داعمًا للوحش الأوّل الخارج من البحر (رؤ 13: 2-6). أمّا الهدف المباشر للوحش الثاني فهو الإتيان بالنّاس لعبادة الوحش الأوّل، الّذي شُفِيَ من جرحه المُميت، والخضوع له.
والوحش الثاني يُدعى أيضًا “النبيّ الكذّاب” (رؤ 16: 13؛ 19: 20). إذًا هو “داعية ديني” أو “رجل دين كبير” مؤيَّد بقدرات عجائبيّة مدهشة كتلك التي تميّز بها أنبياء كبار كإيليّا النبيّ في العهد القديم الّذي أنزل نارًا من السّماء (1مل 18: 38-39). وهو يُقلّد أيضًا النبيّين الشّاهدين الّذين “تَخْرُجُ نَارٌ مِنْ فَمِهِمَا وَتَأْكُلُ أَعْدَاءَهُمَا” (رؤ 11: 5). يقول البعض أنّ اليهود سيُصدّقون هذا الوحش الثّاني معتبرينه إيليّا الّذي لطالما انتظروه ليعود في الأزمنة الأخيرة ليُمهّد الطريق لعودة المسيح المنتظر (مل 4: 5-6).
النّبيّ الكذّاب وقدرته على صنع العجائب
بالإضافة لقدرة النبيّ الكذّاب على إنزال نار من السماء نقرأ أنّه “يَصْنَعُ آيَاتٍ عَظِيمَةً.” (رؤ 13: 13). يؤيّده إبليس بسلطانه وبقوى خارقةٍ لاجتراح العجائب ليجرّ النّاس نحو الوحش الأوّل. والشّيطان يستخدم العجائب الخارقة للتّضليل منذ أوّل يومٍ لنزوله إلى هذه الأرض وحتّى آخر يوم له قبل الحكم الألفيّ. (رؤ 12: 9؛ 20: 3). حذّر بولس الرّسول من دور الشّيطان في تضليل النّاس عبر ظهوره كملاك من نور وعبر رسله الكاذبين. (2كو 11: 14).
سبق ليسوع وحذّر أنّه سيكون هناك “مسحاء كذبة وأنبياء كذبة” قادرين أن يقوموا بعجائب لتضليل النّاس عامّة والمؤمنين خاصّة. (مت 24: 24). وحذّر أيضًا من النّبيّ الكذّاب الّذي سيأتي في آخر الأيّام ليُضلّل النّاس ويجرّهم خلف الوحش الأوّل ليعبدوه في هيكل أورشليم: “فَمَتَى نَظَرْتُمْ «رِجْسَةَ الْخَرَابِ» الَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ النَّبِيُّ قَائِمَةً فِي الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ لِيَفْهَمِ الْقَارِئُ”. (مت 24: 15). أمّا “رِجْسَةَ الْخَرَابِ” فستكون عبر جلوس “الوحش الأوّل أو ضدّ المسيح” في الهيكل في أورشليم معلنًا أنّه الله وهذا يُعَدّ ذروة التّجديف. (راجع دا 8: 9-14؛ 9: 27؛ 11: 36؛ 2تس 2: 4-8).
صورة الوحش تتكلّم
وسيستخدم الوحش الثّاني أو النّبيّ الكذّاب صورة الوحش الأوّل وسيطلب من النّاس أن يعملوها ليعبدوه من خلالها. “قَائِلاً لِلسَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَصْنَعُوا صُورَةً لِلْوَحْشِ الَّذِي كَانَ بِهِ جُرْحُ السَّيْفِ وَعَاشَ” (رؤ 13: 14 ب). يُذكرنا هذا الأمر بتمثال نبوخذنصّر الّذي عمله لنفسه وطلب من جميع الشعوب أن يخرّوا ويسجدوا له. (دا 3: 4، 5). تأليه الملوك قديم العهود.
وسيُعطي الوحش قوّة للصّورة لتتكلّم. (رؤ 13: 15). اللافت في هذه “الصّورة النّاطقة” أنّها تُصنَع من قبل النّاس ويتكلّم من خلالها الوحش الأوّل فيُسيطر عليهم في كافّة شؤونهم الدينيّة والدنيويّة والاقتصاديّة والسّياسيّة والاجتماعيّة في الضيقة العظمى. وقد ورد ذكر هذه الصّورة العجائبيّة في شواهد عديدة وهي: (رؤ 13: 14، 15؛ 14: 9، 11؛ 15: 2؛ 16: 2؛ 19: 20؛ 20: 4).
اضطّهاد وحشيّ لمن لا يخضع له
ويظهر أنّ لهذا النّبيّ الكذّاب سلطة إنزال حكم الإعدام بمن لا يخضع لديانته العالميّة One World Religion الّتي ستحلّ بدل جميع الدّيانات وستطلب السّجود لصورة الوحش الأوّل. هذا يُذكّرنا بالإضطّهادات الدمويّة بحقّ الذين رفضوا السّجود أو تقديم الذّبائح للقيصر المؤلّه والتي حصلت أيّام نيرون (54-68 م) وماركوس أوريليوس (161-180 م) وديوكلتيان (283-305 م). وكما كان في الأيّام الأولى للمسيحيّة كثيرون سيرفضون الانصياع والسّجود لغير المسيح الحقيقيّ وسيُقتَلون. وقد يكون هؤلاء هم الشّهداء الّذين ورد ذكرهم في رؤيا 7: 14.
إنّ وحشيّة هذا الوحش الثّاني في اضطّهاده لمن لن يسجدوا للوحش الأوّل، تفضح كذبة ظهوره بشكل حمل بقرنين وديعين، إذ هو بالواقع ذئبٌ مفترس. سبق ليسوع وحذّر من اليوم الأوّل: “اِحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَاب الْحُمْلاَنِ، وَلكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِل ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ!” (مت 7: 15). يعتبر كثيرون أنّ نبوّة زكرّيا عن “الرّاعي الأحمق”، ويدعوه البعض “الأعور الدجّال”، هي عن هذا الوحش الطّالع من الأرض الّذي سيقبله الإسرائيليّون ملكًا عليهم بدل الرّبّ فيخدم مشروعه في خدمة الوحش الأوّل فيُهلكهم بدل أن يُدافع عنهم. له يقول الرّبّ: “وَيْلٌ لِلرَّاعِي الْبَاطِلِ التَّارِكِ الْغَنَمِ! اَلسَّيْفُ عَلَى ذِرَاعِهِ وَعَلَى عَيْنِهِ الْيُمْنَى. ذِرَاعُهُ تَيْبَسُ يَبْسًا، وَعَيْنُهُ الْيُمْنَى تَكِلُّ كُلُولاً!” (زك 11: 16-17). أمّا يباس يده اليمنى (يمين القوة) وكلال عينه اليمنى، فليست سوى إشارة لكون قوّته وحكمته محدودتين وستتلاشيان ولن يكونا لفترةٍ طويلة، بل لفترةٍ محدودة تمتدّ إلى إثنين وأربعين شهرًا. (دا 9: 27؛ رؤ 13: 6).
سِمَة الوحش وعلامة ال666
وسيفرض الوحش الطّالع من الأرض “السِّمَة” على النّاس من جميع الفئات العمريّة والجندريّة والإجتماعيّة. ومن لا يقبلها سيمنعه أن يتاجر أو يشتري حاجاته وهكذا يُلزِم النّاس بالخضوع للوحش. (رؤ 13: 16، 17).
وهنا يُعطي سفر الرّؤيا علامة ال666 للسِّمَة. ويقول من له الحكمة يفهم هذه العلامة. كثيرون حاولوا تفسير هذه الأرقام ليضعوها على أشخاص دكتاتوريّين حاولوا أن يحكموا العالم بالظّلم والقسوة أمثال هتلر وستالين وغيرهم. لكنّ علم الأرقام البيبليّة يقول أنّ الرّقم “ستّة” يُشير إلى الإنسان الذي خُلِقَ في اليوم السّادس. وتكراره ثلاث مرّات، يرمز إلى محاولة الوحش إظهار كماله الزّائف بدون الله. ويرى البعض أنّ هذا الرّقم مستوحى من فائض الثّروة الذهبيّة الّتي كانت لسليمان الحكيم وكان وزنها 666 وزنة ذهب. (1مل 10: 14؛ 2مل 9: 13). أمّا أنا فأرى أنّ هذا الرّقم هو الهويّة الرقميّة الّتي ستُعطى للبشر لاستخدامها في التّعاملات الماليّة أو عند الشّراء والبيع. وهذا ما وصلنا إليه اليوم حيث هناك Iban ورقم مالي لكلّ إنسان لا يستطيع أن يتعامل ماليًّا مع أحد بدونه. وهذا ما سيُسهّل التّحكّم بالنّاس أجمعين في آخر الأيّام.
وهكذا نرى أنّ العالم سيوضع تحت حكومةٍ واحدةٍ عالميّةٍ وديانةٍ واحدةٍ عالميّةٍ شيطانيّة، وكلّ هذا في الأسبوع الأخير من السّنين الذي سيسبق الملك الألفيّ للمسيح حين يحلّ السّلام والاستقرار والازدهار على الأرض.
نهاية النّبيّ الكذّاب
نهاية النبي الكذّاب ستكون مع التنّين (الشّيطان) والوحش الأوّل (ضدّ المسيح) الّذين سيُقيّدون طوال الألف سنة لملك المسيح وسيُرمَون أحياء في البحيرة المتّقدة بالنّار والكبريت أحياء. هذا ما يؤكّده الوحي المقدّس على فم يوحنا الرائي: “فَقُبِضَ عَلَى الْوَحْشِ وَالنَّبِيِّ الْكَذَّابِ مَعَهُ، الصَّانِعِ قُدَّامَهُ الآيَاتِ الَّتِي بِهَا أَضَلَّ الَّذِينَ قَبِلُوا سِمَةَ الْوَحْشِ وَالَّذِينَ سَجَدُوا لِصُورَتِهِ. وَطُرِحَ الاثْنَانِ حَيَّيْنِ إِلَى بُحَيْرَةِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ بِالْكِبْرِيتِ… وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ.” (رؤ 19: 20؛ 20: 10).

